حسن بن عبد الله السيرافي
205
شرح كتاب سيبويه
تمثيل ولا يتكلم به ، وكذلك لا يتكلم بالفعل من جوسا وجودا في معنى : جوعا . قال سيبويه : ( ومما يدلّك أيضا أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئا من هذه المصادر لتبني عليه كلامك ، كما تبني على عبد اللّه إذا ابتدأته ، وأنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر في نيتك ، ولكنه في دعائك له أو عليه ) . يعني : أن هذه المصادر لم يذكرها الذاكر ليخبر عنها بشيء كما يخبر عن زيد إذا قال : زيد قائم ، أو عبد اللّه قائم ، وهذا معنى قوله : لتبني عليه كلامك كما تبني على عبد اللّه ، يعني : تبني عليه خبرا ، ولم تجعل هذه المصادر أيضا خبرا لابتداء محذوف فترفعها ، وهذا معنى قوله : إنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر يعني : خبرا لاسم مضمر وإنما هو دعاء منك لإنسان كقولك : سقيا ورعيا ، أو دعاء عليه كقولك : تعسا وتبّا وجدعا ، وتركوا الفعل استغناء بعلم المخاطب ، وربما جاءوا به توكيدا فقالوا : سقاك اللّه سقيا كما أكدوا قولك : مرحبا بقولهم : بك ، ولو قالوا : مرحبا لكان المعنى مفهوما ، وربما رفعوا ذلك والمعنى واحد ، كما يقول : سلام عليكم وإنما تريد معنى سلّم اللّه عليك ، ولكنه يخرجه فخرج ما قد ثبت . ( وقال أبو زبيد يصف أسدا : أقام وأقوى ذات يوم وخيبة * لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر " 1 " ) أراد : أقام الأسد وأقوى : لم يأكل شيئا ، الإقواء : فناء الزاد وعدم الأكل ، وخيبة لأول من يلقاه الأسد الذي قد أقوى وجاع ، وهذا ليس بدعاء ، ولكن أجراه سيبويه مجرى الدعاء عليه ؛ لأنه لم يكن بعد وإنما يتوقع ، كما أنّ المدعوّ به لم يوجد في حال الدعاء . ( ومثله في الرفع بيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه : عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم * يقول الخنا أو تعتريك زنابره " 2 " فرفع عذيرك والأكثر نصبه وقد ذكرناه ، والذي يرفعه يجعله مبتدأ ويضمر خبرا ، كأنه قال : إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره ) . وزنابره يعني : ذكره إياه بالسوء وغيبته .
--> ( 1 ) البيت لأبي زبيد الطائي : البيت سبق تخريجه . ( 2 ) بلا نسبة في هارون 1 : 313 .